مصطفى صادق الرافعي
104
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
« ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة لقرآنه بعد أن تحداهم الرسول بنظمه » وقد يكون استرسل بهذه العبارة لما في نفسه من أثر أستاذه ، وهو شيء ينزل على حكم الملابسة ، ويعتري أكثر الناس إلا من تنبّه له أو نبّه عليه « 1 » ، أو هو يكون ناقلا ، ولا ندري . . . . وبعض الفرق ، فإنهم يقولون : إن وجه الإعجاز في القرآن هو ما اشتمل عليه من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم ، في مطالعه ومقاطعه وفواصله ؛ أي فكأنه بدع من ترتيب الكلام لا أكثر . وبعضهم يقول : إن وجه الإعجاز في سلامة ألفاظه مما يشين اللفظ : كالتعقيد والاستكراه ونحوهما مما عرفه علماء البيان ، وهو رأي سخيف يدل على أن القائلين به لم يلابسوا صناعة المعاني . وآخرون يقولون : بل ذلك في خلوّه من التناقض واشتماله على المعاني الدقيقة . وجماعة يذهبون إلى أن الإعجاز مجتمع من بعض الوجوه التي ذكرناها كثرة أو قلة ، وهذا الرأي حسن في ذاته ، لا لأنه الصواب ، ولكن لأنه يدل على أن كل وجه من تلك الوجوه ليس في نفسه الوجه المتقبّل . أما الرأي المشهور في الإعجاز البياني الذي ذهب إليه عبد القادر الجرجاني صاحب ( دلائل الإعجاز ) المتوفى سنة 471 ( وقيل 474 ) فكثير من المتوسمين بالأدب يظنون أنه أول من صنّف فيه ووضع من أجله كتابه المعروف ، وذلك وهم ، فإن أول من جوّد الكلام في هذا المذهب وصنّف فيه ، أبو عبد اللّه محمد بن يزيد الواسطي المتوفى سنة 306 ، ثم أبو عيسى الرمّاني المتوفى سنة 382 ، ثم عبد القادر ، وهذا الرأي كان هو السبب في وضع علم البيان ، كما نبسطه في موضعه من تاريخ آداب العرب إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) ينسبون في كتب المقالات والفرق إلى الجاحظ وأصحابه الذين يقال لهم الجاحظية ، مقالة غريبة في القرآن . وهي فيما زعموا أنهم يقولون : القرآن جسد يجوز أن يقلب مرة رجلا ومرة حيوانا وقيل : مرة أنثى . . . ) وإنما تلك فرية شنع بها عليه خصومه من الجهال والعيابين ليهجنوا رأيه - وكان يكثر الشكوى منهم في كتبه - ولم تنقل إلا عن ابن الراوندي الزنديق الذي انفرد بحكاية الخرافات عن زعماء الفرق وجماعة الغلاة منهم ، وألّف كتاب « فضيحة المعتزلة » وله من ذلك أشياء ، وسنذكره في موضع آخر . أما أصل الزعم الذي ينسبونه إلى الجاحظ ؛ فهو ما يحكى عن أبي بكر الأصم من أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق ، تزيدوا فيه وجعلوا له صفتي الجسم من الأنوثة والذكورة كما رأيت ، ثم نحلوه صفة غير إنسانية يتشكل بها ، كوصف للجن والملائكة ، وانظر ج 2 ص 146 هامش الكامل ، زعم الجاحظ أن القرآن جسم .